استهداف حقل بارس.. شرارة قد تشعل الاقتصاد العالمي

استهداف حقل بارس.. شرارة قد تشعل الاقتصاد العالمي -- Mar 19 , 2026 262

لم يعد استهداف حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران مجرد ضربة على منشأة طاقة، بل تحول إلى ضغط اقتصادي متعدد الدوائر يبدأ من إيران، ويمر عبر الخليج، ثم يصل إلى كهرباء العالم والمصانع والتضخم.

فالحقل يمثل قلب النشاط الغازي الإيراني، بينما يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، والغاز نفسه يظل ثاني أكبر مصدر لتوليد الكهرباء في العالم، ويوفر أكثر من 20% من الكهرباء العالمية، ومع دخول هذه البنية في دائرة الاستهداف، تصبح السوق أكثر حساسية للخوف من النقص حتى قبل حدوث نقص فعلي واسع.

ضغط إيراني
الضغط الأول يقع على إيران نفسها، لأن حقل بارس يحتفظ بنحو 40% من احتياطيات إيران المؤكدة من الغاز، وتتمحور حوله أنشطة الغاز الإيرانية، مما يعني أن أي تعطّل ممتد في الحقل أو في المعالجة والنقل المرتبطين به لن يبقى أثره داخل قطاع الطاقة، بل سينتقل سريعا إلى الكهرباء والصناعة والبتروكيماويات والتدفئة والنشاط الاقتصادي الأوسع.

يقدّر الخبير في شؤون الطاقة عامر الشوبكي في تعليق للجزيرة أن 65% من توليد الكهرباء في إيران يعتمد على هذه العقدة، وأن البدائل لا تغطي سوى 20% من الحاجة الفعلية، مما يرجح انقطاعات واسعة إذا طال التعطل.

تعتمد إيران بدرجة كبيرة على غاز بارس لتغذية الاقتصاد المحلي، لا للتصدير فقط، بل يمد الداخل الإيراني أيضا بأكثر من ثلثي الغاز.

امتداد الأثر
الأثر لا يتوقف عند إيران، والسوق لا تنظر إلى الضربة بوصفها حادثا داخل البلاد فقط، بل بوصفها رفعا لاحتمال انتقال الخطر إلى الجانب القطري والبنية الساحلية المرتبطة به، لا سيما مع مرور معظم شحنات الغاز المسال الخليجية الحساسة عبر هرمز، وتكفي هذه الحقيقة لرفع علاوة المخاطر.

يشار إلى أن وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة سعد الكعبي حذر في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بداية مارس/آذار الجاري من أن استمرار الحرب قد يدفع جميع مصدري الطاقة في الخليج إلى وقف الصادرات في فترة قصيرة، مع ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز.

عدوى خليجية


العدوى الإقليمية تبدأ من مضيق هرمز؛ فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تقول إن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في 2024 عبرت المضيق، ومعظمها من قطر، كما أن 83% من هذه التدفقات اتجهت إلى آسيا؛ لذلك، فإن أي اتساع في الاستهداف من بارس إلى منشآت أو موانئ أو ناقلات خليجية لا يخلق مشكلة إنتاج فقط، بل في الوقت نفسه مشكلة عبور وتأمين والتزام تعاقدي، وهي القناة التي تجعل الحدث خليجيا ودوليا معا.

ويعتبر الشوبكي استنادا إلى تهديدات إيرانية علنية أن رد طهران قد يطال حقولا ومنشآت وبنية تحتية في المنطقة ذات معنى اقتصادي واضح، فالسوق لا تسعّر فقط ما أُصيب فعلا، بل ما يمكن أن يدخل مرمى النار بعد ذلك.

يتسق هذا التعليق مع تحذير صندوق النقد الدولي في 3 مارس/آذار من أنه رصد بالفعل تعطلات في التجارة والنشاط الاقتصادي وقفزات في أسعار الطاقة وتقلبا في الأسواق المالية، قبل أن يعود في 9 مارس/آذار ليقول إن الشحن عبر هرمز هبط 90% وإن الصراع، إذا طال، سيضغط على النمو والتضخم ومعنويات السوق.

كهرباء العالم
يمر الأثر العالمي أولا عبر الكهرباء؛ فالوكالة الدولية للطاقة تقول إن الغاز الطبيعي كان ثاني أكبر مصدر لتوليد الكهرباء في العالم في 2024، وإنه وفر أكثر من 20% من كهرباء العالم، فيما شكل الوقود الأحفوري نحو 60% من التوليد، وتشير الوكالة إلى أن الصناعة وتوليد الكهرباء شكلا معا نحو 75% من الزيادة في الطلب العالمي على الغاز في 2024، وأن الطلب على الغاز لتوليد الكهرباء ارتفع بنحو 2.8%.

من جانبه يرى رئيس أبحاث السوق في شركة "أو دبليو ماركتس" عاصم منصور أن الأثر على أسعار الغاز سيكون واضحا لكنه لن يطابق صدمة النفط، لأن معظم الغاز الإيراني يذهب إلى الاستهلاك المحلي، لا إلى سوق الغاز المسال العالمية، وتؤكد وكالة أسوشيتد برس وصحيفة فايننشال تايمز أن حقل بارس يخدم أساسا السوق الإيرانية المحلية، لكنه لا يلغي أثر الأسعار الفوري، لأن أوروبا وآسيا ستتفاعلان مع المخاطر الجيوسياسية واحتمال انتقال الخطر إلى قطر وشحنات الخليج.

ضغط المصانع
الخطر التالي يقع على المصانع العالمية، فالغاز ليس مجرد وقود للتدفئة أو الكهرباء، بل هو أيضا مدخل صناعي في الأسمدة والأمونيا واليوريا والبتروكيماويات وسلاسل تصنيع أخرى، ولهذا السبب فإن أي صدمة غازية ممتدة ترفع كلفة الكهرباء وكلفة الشحن في وقت واحد، وهنا تصبح مصانع الأسمدة والكيماويات والمعادن والزجاج والسيراميك، ثم الصناعات التي تعتمد على التبريد والنقل والطاقة الكثيفة، أكثر تعرضا للضغط.

يدعم هذا التقدير ما سجله البنك الدولي في ورقة أصدرها مؤخرا في 9 مارس/آذار الجاري من ارتفاع أسعار الأسمدة 6.5% في فبراير/شباط، حتى قبل اكتمال انتقال أثر الحرب إلى البيانات الشهرية اللاحقة.

ويشدد رئيس أبحاث السوق في شركة "إيكويتي" أحمد عزام على أن ضربة حقل بارس اليوم ليست محلية لأنها تضرب الكهرباء وسلاسل الإمداد والتسعير الصناعي معا.

وقال إن قيمة هذا التقدير تكمن في أنه يربط بين أمن الطاقة وأمن الإنتاج، فالغاز يشغل المصانع والموانئ ومراكز البيانات والتبريد وسلاسل النقل، وحين يدخل في دائرة الاستهداف ترتفع كلفة التشغيل ويزداد عدم اليقين بشأن التسليم والتسعير والتأمين، وهو ما قد يدفع الشركات إلى تقليص الإنتاج أو إعادة التسعير أو تأجيل العقود.

تضخم وفائدة
وإذا ارتفع النفط والغاز معا، فإن التأثير يسري إلى السياسات النقدية، إذ يشير صندوق النقد إلى أن كل زيادة مستمرة 10% في أسعار النفط قد ترفع التضخم العالمي الرئيسي بنحو 40 نقطة أساس وتخفض الناتج العالمي بين 0.1% و0.2%، ما يعطي أساسا لما قاله عاصم منصور وأحمد عزام عن خطر عودة التضخم إلى الواجهة وتقييد البنوك المركزية لمسار خفض الفائدة، أي أن استهداف بارس لا يضغط فقط على فاتورة الطاقة، بل قد يعيد خلط حسابات الفائدة والنمو والاستثمار عالميا إذا طال الصراع أو اتسع جغرافيا.

أقرأ أيضاَ

CNN: إيران تتفاوض مع 8 دول لعبور مضيق هرمز بشرط تداول النفط باليوان الصيني بدل الدولار

أقرأ أيضاَ

صادرات النفط الأميركية تتأهب لطفرة قياسية